جلال الدين السيوطي

502

الإتقان في علوم القرآن

وقال قوم : ماضي اللّفظ مستقبل المعنى ؛ لأنه إخبار عن طمع يريد أن يقع . تنبيه : وردت في القرآن على وجهين : أحدهما : رافعة لاسم صريح بعده فعل مضارع مقرون بأن ، والأشهر في إعرابها حينئذ أنّها فعل ماض ناقص عامل عمل كان . فالمرفوع اسمها وما بعده الخبر . وقيل : متعدّ بمنزلة ( قارب ) معنى وعملا ، أو قاصر بمنزلة : قرب من أن يفعل ، وحذف الجارّ توسعا ؛ وهو رأي سيبويه والمبرّد . وقيل : قاصر بمنزلة قرب ، وأن يفعل بدل اشتمال من فاعلها . الثاني : أن يقع بعدها ( أن ) والفعل ؛ فالمفهوم من كلامهم أنها حينئذ تامّة . وقال ابن مالك : عندي أنّها ناقصة أبدا ، وأن وصلتها سدّت مسدّ الجزءين كما في : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] . عند « 1 » : ظرف مكان تستعمل في الحضور والقرب ؛ سواء كانا حسّيّين ؛ نحو : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ [ النمل : 40 ] . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) [ النجم : 14 . 15 ] . أو معنويّين ، نحو : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ [ النمل : 40 ] . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ [ ص : 47 ] . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ [ القمر : 55 ] . أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ آل عمران : 169 ] . ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [ التحريم : 11 ] فالمراد بهذه الآيات قرب التشريف ، ورفعة المنزلة . ولا تستعمل إلّا ظرفا أو مجرورة ب ( من ) خاصة ، نحو : فَمِنْ عِنْدِكَ [ القصص : 27 ] . وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ البقرة : 89 ] . وتعاقبها لدى ولدن ، نحو : لَدَى الْحَناجِرِ [ غافر : 18 ] . لَدَى الْبابِ [ يوسف : 25 ] . وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل عمران : 44 ] . وقد اجتمعتا في قوله : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . ولو جيء فيهما بعند أو لدن صحّ ، لكن ترك دفعا للتكرار ، وإنما حسن تكرار ( لدى ) في : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ، لتباعد ما بينهما . وتفارق عند ولدى لدن من ستة أوجه : - فعند ولدى : تصلح في محل ابتداء غاية وغيرها ؛ ولا يصلح لدن إلّا في ابتداء غاية .

--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 290 - 292 ، والمفردات ص 349 ، وعمدة الحفاظ 3 / 156 ، وبصائر ذوي التمييز 4 / 105 - 106 .